رأى الكاتب تامر العجرمي أن قصة الضفة الغربية المحتلة غالبًا ما تبدأ في اللحظة الخطأ، إذ تبدأ عندما يُقتل مستوطن إسرائيلي أو يُصاب أو يشعر بالخوف، بينما تُهمَل الأحداث التي سبقت ذلك، فتتجه التغطية الإعلامية إلى تصوير المستوطن باعتباره ضحية، والقرية الفلسطينية باعتبارها مصدرًا للتهديد، ويختفي الاحتلال من المشهد. وأكد أن فهم ما يجري في نابلس لا يمكن أن يتحقق من خلال النظر إلى منتصف القصة، بل يتطلب العودة إلى جذور الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون يوميًا تحت الاحتلال.



ونشر موقع ميدل إيست مونيتور مقالًا للكاتب تامر العجرمي بعنوان «نابلس: عندما يتحول الجلاد إلى ضحية»، تناول فيه الأحداث الأخيرة في محيط نابلس بالضفة الغربية، منتقدًا الطريقة التي يجري بها تقديم الوقائع باعتبارها «اشتباكًا» بين طرفين متساويين، رغم اختلاف موازين القوة جذريًا بين المستوطنين المسلحين الذين يعيشون في أراضٍ محتلة ويحظون بحماية الجيش الإسرائيلي، والفلسطينيين الذين يعيشون في قرى تحاصرها المستوطنات والحواجز العسكرية وتخضع لسيطرة الاحتلال.


نابلس لا يمكن فهمها بعيدًا عن تاريخ الاحتلال

 


أوضح العجرمي أن القرى الفلسطينية المحيطة بمدينة نابلس تعيش منذ سنوات تحت ضغوط يومية تشمل مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، والاقتحامات العسكرية، وإغلاق الطرق، والترهيب، وعنف المستوطنين. ولذلك، لا يمكن التعامل مع الواقع القائم باعتباره صراعًا طبيعيًا بين مجتمعين متساويين، لأن أحد الطرفين يواصل التوسع مدعومًا بالسلاح والجيش والدولة، بينما يُطلب من الطرف الآخر الصمت والامتثال.


وأشار الكاتب إلى أن وصف الأحداث الأخيرة قرب نابلس بأنها «اشتباك» يحمل في ظاهره قدرًا من الحياد، لكنه لا يعكس حقيقة الواقع على الأرض. فمصطلح «الاشتباك» يوحي بوجود طرفين متكافئين، بينما يعيش المستوطنون المسلحون داخل أراضٍ محتلة، في حين يعيش الفلسطينيون في قرى تحيط بها المستوطنات والحواجز والوجود العسكري الإسرائيلي.
 

وأكد العجرمي أن الاعتراف بمعاناة المستوطنين لا يعني تجاهلها أو السخرية منها، فالموت يظل موتًا والخوف يظل خوفًا، ولا ينبغي تجاهل أي معاناة إنسانية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ألم حادثة واحدة لا ينبغي أن يمحو الواقع الأوسع الذي يعيشه الفلسطينيون، موضحًا أن المستوطن قد يصبح ضحية في واقعة محددة، لكنه يظل في الوقت ذاته جزءًا من منظومة أوسع تفرض الخوف والتهجير والمعاناة اليومية على الفلسطينيين.
 

ويرى الكاتب أن التناقض يظهر عندما يتحول الجلاد إلى ضحية بمجرد فصل الحادثة عن سياقها التاريخي والسياسي. فعندما تبدأ العناوين بالحديث عن الألم الإسرائيلي، يختفي الألم الفلسطيني من الصورة، ويُقدَّم المستوطن باعتباره مدنيًا يتعرض للهجوم، بينما يُصوَّر الفلسطيني باعتباره تهديدًا أمنيًا. وتتحول المستوطنة إلى مجرد حي سكني، والقرية الواقعة تحت الاحتلال إلى ساحة معركة، ويصبح الجيش الإسرائيلي قوة حماية، بينما تُوصف المقاومة بالإرهاب، ويختفي الاحتلال الذي صنع هذا الواقع بأكمله.
 

وقال العجرمي إن هذه الطريقة في تقديم الأحداث ليست وليدة الصدفة، بل تعكس آلية تحمي بها منظومة القوة نفسها، مشيرًا إلى أن حركة الاستيطان سعت على مدار سنوات إلى جعل وجود المستوطنين في الضفة الغربية يبدو أمرًا طبيعيًا، رغم ارتباطه بمشروع سياسي قائم على الأراضي المحتلة.
 

وأضاف أن الخطاب المرتبط بالاستيطان يسعى إلى تقديم المستوطنين باعتبارهم سكانًا عاديين، بدلًا من النظر إليهم باعتبارهم جزءًا من مشروع استيطاني قائم داخل أرض محتلة، في الوقت الذي تُعرض فيه الاعتداءات على الفلسطينيين باعتبارها حوادث منفصلة، بينما تُستخدم كل ردة فعل فلسطينية لتأكيد رواية أن الفلسطينيين عنيفون ويحتاجون إلى مزيد من السيطرة.
 

الاحتلال لا يصنع الأمن بل يعمّق أسباب العنف
 

 

أكد الكاتب أن النظام القائم على الهيمنة لا يستطيع تحقيق الأمن، حتى لو تمكن لفترة مؤقتة من فرض السيطرة أو نشر الخوف أو إسكات السكان. فقد تستطيع إسرائيل بناء الجدران والحواجز والطرق المخصصة للمستوطنين والمناطق العسكرية، لكنها لن تستطيع من خلال هذه الإجراءات صناعة السلام.



وأشار إلى أن مصادرة الأراضي، والاعتداء على المنازل، ودخول المستوطنين إلى القرى الفلسطينية، وحماية الجيش الإسرائيلي لطرف دون الآخر، كلها عوامل تجعل العنف جزءًا من النظام القائم، وليس مجرد حادث عرضي منفصل عن السياق.



وشدد العجرمي على أن ذلك لا يعني تحميل كل مستوطن المسؤولية نفسها، كما لا يعني تجاهل مقتل أي إسرائيلي أو التقليل من شأنه. لكنه يعني، بحسب رؤيته، ضرورة عدم استخدام معاناة الأفراد لإخفاء واقع القوة الجماعية، وعدم السماح لتحويل معاناة المستوطن إلى وسيلة لمحو المعاناة الممتدة للفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.


ولفت إلى أن هذا هو ما يحدث مرارًا، إذ يُطلب من الفلسطيني تفسير غضبه وإدانة العنف، بينما نادرًا ما يُطرح السؤال عن سبب وجود المستوطن في الأرض التي يعيش فيها. كما يُطلب من القرية الفلسطينية تبرير مقاومتها، بينما لا تُطرح بالقدر نفسه أسئلة حول شرعية وجود المستوطنة أو الظروف التي أدت إلى نشأتها.
 

ويرى الكاتب أن الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال يُطلب منهم الحفاظ على الهدوء، في الوقت الذي يصف فيه الطرف المسيطر إجراءات السيطرة بأنها «أمن». ومن هنا تكتسب عبارة «عندما يتحول الجلاد إلى ضحية» أهميتها، فهي لا تنكر الألم الإنساني، لكنها ترفض تجاهل الواقع السياسي الذي أنتج هذا الألم.


وأوضح العجرمي أن المستوطن الذي يُقتل في حادثة معينة قد يكون بالفعل ضحية لهذه الحادثة، لكن مشروع الاستيطان يظل في جوهره جزءًا من منظومة مصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين. كما أن حزن عائلة إسرائيلية واحدة لا يمحو الخوف اليومي الذي تعيشه العائلات الفلسطينية المحاطة بالمستوطنين المسلحين والحواجز والمستوطنات المتوسعة، ولا تستطيع مأساة واحدة أن تلغي عقودًا من الاحتلال.
 

أحداث نابلس تكشف الحلقة المفرغة للعنف
 

 

أشار الكاتب إلى أن نابلس تقدم مثالًا واضحًا على هذه المعادلة، فكلما زادت إسرائيل من حماية المستوطنات، تصاعدت حدة التوتر، وكلما توسع المستوطنون، تقلصت المساحة المتاحة للفلسطينيين، وكلما زادت القيود المفروضة على حياة الفلسطينيين، ازدادت احتمالات المقاومة.
 

وعندما يندلع العنف بعد ذلك، تقدم إسرائيل نفسها باعتبارها الطرف المتفاجئ، وكأنها لم تؤدِ أي دور في خلق الظروف التي أنتجت هذا الواقع. ويرى العجرمي أن هذه هي أقدم حيل أنظمة الهيمنة: صناعة الجرح، ثم الصراخ عندما يبدأ الجرح في النزيف.
 

وأكد أن السؤال بعد أحداث نابلس لا ينبغي أن يقتصر على معرفة من أطلق النار أولًا، رغم أهمية هذا السؤال، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى البحث في الظروف التي جعلت وجود المستوطنين المسلحين، والقرى الخاضعة للاحتلال، والاقتحامات العسكرية، والإذلال اليومي، أمورًا عادية في حياة الفلسطينيين.
 

وتساءل الكاتب عمن سمح للمستوطنين بالتحرك داخل الأراضي الفلسطينية بثقة، بينما يتحرك الفلسطينيون في أراضيهم بالخوف، ومن حوّل المستوطنات إلى واقع محمي ومفروض، بينما حوّل القرى الفلسطينية إلى مناطق أمنية، ومن قرر أن تقييد حياة الفلسطينيين يوميًا أمر مقبول، ثم أبدى دهشته عندما أنتج هذا الواقع أعمال عنف.

 

ويرى العجرمي أن تجاهل هذه الأسئلة يجعل كل حادثة تبدو وكأنها بداية القصة، بينما هي في الحقيقة نتيجة لمسار طويل من الاحتلال والاستيطان والسيطرة العسكرية.
 

وحذر من أن العالم، عندما يسمع رواية «تحول الجلاد إلى ضحية»، ينبغي أن يتعامل معها بحذر، وأن يعترف بالألم الإنساني دون أن يغفل البنية السياسية التي أنتجته. ودعا إلى الحداد على الضحايا، مع عدم تجاهل النظام الذي يواصل إنتاج الموت.
 

واختتم الكاتب رؤيته بالتأكيد على أن المأساة الحقيقية لا تتمثل فقط في سقوط الضحايا، بل في أن الاحتلال يخلق الظروف التي تؤدي إلى الموت، ثم يطلب من العالم أن يتعاطف عندما تعود نتائج هذه الظروف إلى عتبة من صنعها.

 

وبحسب المقال، فإن فهم أحداث نابلس يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، وعدم التعامل مع كل واقعة باعتبارها حدثًا منفصلًا عن عقود الاحتلال والاستيطان والعنف، لأن تجاهل جذور الصراع يعني استمرار التعامل مع النتائج وكأنها أسباب.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260725-nablus-when-the-killer-becomes-the-victim/